جلال الدين السيوطي
654
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
التصريف ، وحملها إليه ، فلما وقف عليها عضد الدولة ، قال : غضب الشيخ ، وجاء بما لا نفهمه نحن ولا هو . وكان الفارسيّ يرى رأي المعتزلة ، وبرع من تلامذته جماعة كابن جنّي ، وأبي الحسن الربعيّ ، وكان تلامذته يفضلونه في النحو على المبرّد . وقال أبو طالب العبديّ : ليس بين سيبويه وأبي علي أبصر بالنحو من أبي علي . وقال ابن جنّي : كان أبو علي يقول : أخطئ في مائة مسألة لغويّة ولا أخطئ في واحدة قياسيّة . ومن صفاء ذهنه أنّه سئل قبل أن ينظر في العروض عن خرم « متفاعلن » ، ففكّر وانتزع الجواب من النحو ، وقال : لا يجوز لأنّ « متفاعلن » ينقل إلى « مستفعلن » إذا خبن ، فلو خرم لتعرّض للابتداء بالساكن ، فكما لا يجوز الابتداء بالساكن لا يجوز التعرّض له . والخرم حذف الأول من البيت ، والخبن تسكين ثانيه . ولما خرج عضد الدولة لقتال ابن عمّه ، دخل عليه أبو علي ، فقال له : ما رأيك في صحبتنا ؟ فقال له : أنا من رجال الدعاء لا من رجال اللقاء ، فخار الله للملك في عزيمته ، وأنجح قصده في نهضته ، وجعل العافية زاده ، والظفر تجاهه ، والملائكة أنصاره . ثم أنشد : ودّعته حيث لا تودّعه * نفسي ولكنها تسير معه ثم تولى وفي الفؤاد له * ضيق محلّ وفي الدموع سعة فقال له عضد الدولة : بارك الله فيك ، فإني واثق بطاعتك ، وأتيقن صفاء طويّتك . وقال علم الدين أبو القاسم الأندلسيّ : وجدت في مسائل نحويّة تنسب لابن جنّي ، قال : جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسيّ وأنا حاضر ، فقال : إني لأغبطكم على قول الشعر ؛ فإنّ خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيقي العلوم التي هي موادّه . فقال له رجل : فما قلت قطّ شيئا منه ؟ قال : ما أعلم أنّ لي شعرا إلا ثلاثة أبيات في الشيب ، وهي قولي :